كيف للصحافة أن تطرق حقيقة أوضاع المجتمع بدون استفزاز ؟!
سؤال إجابته صعبة جداً ، ولكن الوصول إلى الحل ليس بمستحيل !
مقال الأستاذ تركي السديري اليوم السبت 6 فبراير 2010 في زاويته لقاء تحت عنوان ” رصيد تأهيل لكن بألف ريال “ جعل السؤال يقفز من داخلي مرة أخرى .
طبعاً لن أتطرق الى صفحة الرأي في صحيفة الرياض ، والموضوعات المنشورة بها ، لأنني لا أتفق مع أستاذي .. لا في توظيف المقالات والتواصل مع القراء . ولا في منهجية اختيارالموضوعات ونشرها في صفحة الرأي كما هو معمول به الآن.
وأؤكد إيماني القوي بأن الإمكانيات المتوفرة في جريدة الرياض تؤهلها لتطوير محتواها بشكل كبير جداً ومتطور جداً .
ذلك موضوع آخر .. المهم .. موضوعنا اليوم ، هذا السؤال المطروح هنا في بداية هذا المقال .. وأعيد تكراره : كيف للصحافة أن تطرق حقيقة أوضاع المجتمع بدون استفزاز ؟!
عندما قال الأستاذ تركي في مقاله : “ من بين الرسائل هناك عرض من قارئة أكدت أنها نشرت في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية ، لكنها تريد أن تعطى مساحة نشر في جريدة الرياض.. سألها مدير مكتبي ما إذا كانت موظفة وفي أي موقع؟.. قالت: نعم.. في مدرسة أهلية والوظيفة نائبة مديرة مدرسة.. حسناً.. كم المرتب؟.. قالت ألف ريال..
وصلتني المعلومات وأذهلتني نوعية الوظيفة وما لها من مرتب؟.. ألف ريال.. في أي بلد نحن؟.. وهل يجوز أن تمارس هذه الوحشية الوظيفية في مجال التعليم ؟!
بالله العظيم إذا كنا في مجالات العمل لدينا ، وخصوصاً في مكاتب السفر المعنية ببيع التذاكر وتدبير الحجوزات نجد أنها تمتلئ بعناصر عربية غير سعودية وأخرى غير عربية، وبالتأكيد لا يقل مرتب الشخص الواحد عن ثلاثة آلاف ريال، وإذا كان يعمل بالمحاسبة أو بمستوى إداري جيد فسوف يرتفع المبلغ فوق خمسة آلاف. ”
أبا عبدالله : لقد أذهلتك نوعية وظيفة تلك المواطنة الصامدة ، بمرتب ألف ريال .. فكيف لو وصلت اليك رسائل كل المحطمين من أبناء المجتمع وبناته ؟
صحيح هناك شباب وفتيات نفتخر بهم ، ويتقاضون حقوقهم كاملة وينالون ما يستحقون .. لكنْ هناك أعداد ، وحكايات يذهل منها المخلصون ، ويبكون من الضيم والذل.. ممن لا إلاًّ ولا ضمير عنده ، وهم في الغالب من الأجانب ( عرباً وخواجات) يحاربون المواطن المخلص الجدير المبدع على لقمة العيش بالغش والتدليس والكذب والبهتان .. أجانب لايفعلون ما يفعلونه الا نتيجة إهمال وعدم محاسبة ومنحهم فرصة اللعب ..
الحقيقة المحاسبة غائبة .. كيف تكون المحاسبة ، والأجنبي هو المسيطر على أجزاء من السوق ، وعلى كثير من الشركات ، وعلى المدارس الخاصة ؟
وأجزم أن هناك أعداد كبيرة مثل تلك المعلمة في مدراس خاصة ، وليست حكومية ، الا اذا كن على بند الأجور ، ووافقت – للحاجة – على هذا الراتب المتدني المخزي لنا في بلد النفط والخير .. حكاية هذه المعلمة التي أذهلتك أستاذي ؛ حكاية بسيطة .. عادية .. مقابل حكاوى وقصص تبكي وتحزن .
اليك بعض القصص من واقعنا المؤلم :
شاب سعودي ،رائع .. تكالب عليه المسيطرون على شركة ، وهم من الفلسطينيين ، ودعني أسمهم بجنسيتهم .. ماالمانع ؟.. ( عندمال كنت في جريدة الرياض ، كنت أصر على الزميل مناحي الشيباني أن يذكر في تقاريره اسم المجرم وجنسيته ..حتى يكون عظه لسفاره بلادة المتبلدة في التعاون ، وعبرة لمن تسول له نفسه في ارتكاب جريمة .. أما أن نقول مثلاً: ارتكب (س . ص ) من جنسية آسيوية أو عربية ، فهذا خلط غبي .. طبلعاً بشرط التأكد من وقوع الجريمة .. والا نقول المتهم ، لكن الاسم والجنسية مهمان )
المهم تلك الشركة كان يسيطر عليها الفلسطينيون .. فركلوا الشاب السعودي ورموه في الشارع ، ولهم وسائلهم الإجرامية البسيطة ، أقلها تلفيق تهمة .. أخونا الشاب السعودي لديه سته أطفال ، وتم رميه في الشارع في بلده من أجانب .. ياترى كيف هي حاله ، وهل يمكن أن نجرؤ في الصحافة ونقول له : أنت إنسان وطني تحب بلدك ، فتحمل ؟!!
وكاد الشاب ينظم إلى مجرمي القاعدة لولا أن الله لطف به ، واحتضنه مواطن في شركة عقارية .
أرجو أن لانبقى على الفهم القديم ، ونحلل بشكل خاطيء ، ونقول : لو طرحنا مثل هذا الموضوع على مستوى الإعلام فقد نحرك ساكناً ضد الأجانب ؟!
يجب أن أكون واضحاً ..أنا لاأطلب أن يتحرك المواطن ليأخذ حقه .. هذا مرفوض على الإطلاق .. ولكن سكوتنا شجع تلك الزمرة الإجرامية من الأجانب على أن يعتدوا على حقوق المواطنين ، والمواطن يشعر بكبت .. وتزايد الكبت يصل بهم إلى حرمان الوطن من مواطن صالح ..
فكيف لنا أن نطلب من مثل ( هذه المعلمة ) أن تكون وطنية وتغرس في تلميذاتها الانتماء الوطني ، وهي بذاتها لم تحصل على ما يمكنها من العيش في وطنها مكرمة ، معززة .
وقصص كثيرة مشابهة .. وألف ريال مرتب المعلمة المتعلمة .. تذكرني بقصة ذكرها لي صديق أثق فيه وفي وطنيته وفي أنه دائماً ( مذهول ) من جور ما يرى أمامه .
يقول : أعرف وافداً من جنسية مصرية ، يحمل الثانوية ، جاء يعمل في التنظيف ، وحمل بضائع الشركة ونقلها من مكان الى مكان ..
ذكاؤه أنه عرف سر الوصول في الشركة ، اللغة الإنجليزية .. فشركته مغرمة بأي إنسان يتحدث اللغة الإنجليزية ، حتى لو كان دماغه فارغاً الا من اللغة الإنجليزية !
أخونا المصري تعلم اللغة حتى أتقن منها ما يمكن أن يخرجه من مستودعات الشركة .. ويدخله دماغ المسؤول.. وخلال سنوات قليلة جداً ، ارتفع راتبه من الفي ريال الى عشرين ألف ريال . وياليت أن هناك تغييراً في فهم الرجل للعمل .. دماغ العمل عنده لم يتغير .. لازال يعشق كنس الأروقة وتجميع الكراتين ، وما في دائرتهما من نصب واحتيال وسرقة ، وقناعته أن أموره ستسلك إذا أذهل رؤساءه بكمية الكراتين المرصوصة ، وجهوده الجبارة في ( لملمة وصفصفة الورق والكراتين ) وبعد أن يعلم ذلك الخبيث أن رسالته وصلت ، بأنه عملاق في العمل ، يرمي ما جمعه في الزبالة ، ليبدأ ( مشروع نصب وسرقة جديد ) ..
فيما غيره من حاملي الشهادات والخبرة من السعوديين ، لا يلقى لهم بال ، لأنهم لايجيدون (الفهلوة) بل يتم القاؤهم في الشارع بسهولة .
أستاذي .. ستذهل لو عرفت بعض الحقيقة .. أطلب منك فقط أن تزور شارع الاتصالات ، بجوار وزارة العمل .. لتعرف كيف يسيطر الفلسطينيون واليمنيون المخالفون ، على سوق الاتصالات ، بل تعمق قليلاً لتشهد حرباً ضروساً من الأجانب ضد الشباب السعودي العاطل ، والراغب في العمل . لن أطلب منك زيارة الصناعية أو البطحا ، أو حي مثل حي الملك فيصل .. هذه مواقع خطرة على الصحفي !
ولنكون في حيزنا ..( ولو التفت قليلاً وأنت في مكانك ستُذهل ، وستتغير أمامك صور وأشكال ، وستعرف أن صحيفة الرياض ممكن أن تتفرد وتكون لها السيطرة على الناس والسوق في المملكة ، بل وتصبح عالمية .. – فالرياض فيها ميزات خاصة أنت تعلمها وأنا أعلمها ، ولا أستطيع البوح بها ، لأنها من سر ما تعلمته وعلمت به وأعمل به عندما كنت في الرياض ، والآن سر لايجوز لي البوح به لأي مخلوق كان ، وهو من الأسرار الطيبة الخاصة بالرياض الصحيفة – ..فقط أطلب منك سيدي أن تلتفت وراءك قليلاً ستذهل وستنجلي لك أمور أُخفيت عنك .. وإنني من أكثر الناس معرفة بحرصك على أن تكون عارفاً بكل شيء .. لكن أنت بحاجة إلى أن تعرف حقيقة هذا الشيء .. ويمكنك ذلك ! )
وهنا أعيد السؤال : كيف للصحافة أن تطرق حقيقة أوضاع المجتمع بدون استفزاز ؟!
قلوبنا وعقولنا وعيوننا لاتطاوعنا أن نقول لولي الأمر من خلال الصحافة : ” كله تمام يافندم ” .
ولكن لانريد في الوقت نفسه أن نزعلهم علينا : بالنقد ، حتى لاتُوصل الرسالة وقد أخطىء فهمها .
كما نريد أن نكون لسان حال المواطن .. ننقل همومه وآلامه وآماله .. والمواطن ( الغلبان) هو الذي يمثل الشريحة الأكبر ، و هو المحتاج إلى أن يرفع صوته .. وهو من يحتاج إلى مساندة .. وهو العنصر المؤثر ..
وهو السند والمعين بعد الله للقيادة ..فهو من يدافع عن الأرض والعرض ، لا الأجنبي .. ولا الهامور العايش في مواقع الكرة الأرضية الأكثر رفاهية .. إلا من رحم ربك .. بعض الإخوة العرب فيهم مخلصون ، ولكن اللصوص لم يتركوا لهم فرصة الانتعاش ، ولا السمعة الطيبة.
أما المواطن السعودي ، هو المنتج ، هو الذخيرة ، هو الأصل والفصل .. خاصة البسيط ..هومن جذوره ضاربة في عمق هذه الأرض الطيبة .. هو صاحب الوفاء ، لو فتشت عن سره وسريرته لوجدته المخلص الوفي للقيادة والبلد . ولو كان سيئاً فلابد من إصلاحة فهو ابن البلد وليس له مكان آخر .. حتى وإن رحل ، وطال الزمن برحيله ، مصيره وأبناؤه وأحفاده الى هنا .
كيف ننقل الر سالة ؟!
أنا – مثل الكثير من زملاء المهنة – سعداء بتطور الصحافة عندنا ..
سعداء بالحرية الخلاقة .. سعداء بمساحة الرأي المتاحة ، فهي كافية وشافية .. ولو أن بعض الصحف تحاول التمترس بلغة الخطاب التقليدية ، باعتقادهم أن هذا يرضي المعازيب ، فهذا غير صحيح .. علينا أن نتفهم أن المواطن أصبح يعيش في دائرة ( إعلامية ) أوسع .. فهو يتابع ما يبثه الفضاء ، ويقرأ ما نعتقد أنه ممنوع .. والمواطن يعرف ، ويتابع في النت ، فيما نعتقد أنه يجب أن لايعرفه . والقاريء اليوم أصبح أكثر وعياً ..فقط هو محتاج إلى أن يجد نفسه في إعلامه .
إذاً ، دورنا تنويري ، وطرح اهتمامات الوطن والمواطن في قالب واقعي بسيط ، ومعالجة متزنة .
علينا أن نفهم جيداً ماذا تعني الحكمة عند قيادة بلادنا ، ونفهم جيداً متطلبات الإعلام في العالم .فلا يجوز لنا أن نصمت بحجة أننا حكماء ، ولايجوز لنا أن نضخم بحجة أن القيادة سمحة ..
أمامنا مسؤوليات ( طبعاً لا أقصد – نا – الأنا بذاتي ) علينا تحمل هذه المسؤوليات ، نحن جزء من المنظومة الاجتماعية المؤثرة . لابد أن نفهم عملنا جيداً ..( سعدت بالتفاتة هيئة الصحفيين ، وبخاصة الجهد المميز للدكتور عبدالله الجحلان ، الأمين العام للهيئة ، من أجل تنفيذ برامج تُعنى بالثقافة الصحفية .. وأتمنى تفريغ الدكتور عبدالله للمهام الجسام في الهيئة ، فهو أجدر من يحول فكر رئيس الهيئة الأستاذ تركي على أجندة التثقيف والارتقاء بمستوى الصحافة السعودية .. فمهمته في الهيئة أكبر من مهمته كرئيس تحرير لمجلة اليمامة التي تشغله عن عمل الهيئة المهم ) ..
لقد عملت في صحيفة الرياض سنوات طويلة ، وأعرف كيف يفكر الأستاذ تركي ، وأعرف طموحاته العميقة والبعيدة ، وأعرف ماذا يريد ، لكنه دائماً ما يصطدم بالواقع .. وهذا الواقع جزآن : داخل الصحيفة .. وخارجها ( ثقافة المجتمع ، ودرجة الاستيعاب ، وطريقة التفكير والتحليل عند المجتمع ) .
ومعلوم أن المجتمع عنصر مهم في تحقيق رسالة الإعلام .. فالمجتمع هو من يحدد نوع الخطاب ، والمجتمع هو من يحدد عناصر تنفيذ الاستراتيجية الإعلامية .. لايمكن أن أخاطبه أكبر مما يفهم أو يستوعب .. ولكن لايجوز أن أجاري المجتمع لأوزع الورق . بل الصحيح أن أجاري فهم المجتمع في لغة الخطاب ، من أجل أن أرتقي بثقافته . لا من أجل أن أعزز ثقافته السلبية ، ومفهومه عن الحياة .
في النهاية .. المواطن أو القاريء ( الغلبان والمليان ) كيف أحقق لهما ذاتهما والعدل لهما .. من أجل وطن آمن اجتماعياً واقتصادياً ؟!