ليس لي أي اهتمامات يومية إلا عملي ، والبيت .. في البيت أقسم وقتي الى ثلاثة أقسام:
المكتب ، ومع عائلتي ، والنوم.. وبين ذلك بعض وقت مع أصدقاء ، أو في السفر ، والسفر صديق يفتح لك صدره بدون صد . أتخذه لتجديد الحياة .
حاولت في تجارة العقار فلم أفلح ، فقد كانت خاتمتي على يد هامور كبير من هوامير العقار ، قادته نفسه الدنيئة ليقضي على أمل بنيته .. تماماً كما فعل هوامير الأسهم بمساكين ..
بعض هواميرنا – وما أكثرهم – يتركون الثقيل ويبحثون عن الفقير ..
وحاولت في النقل فكان ” هوامير ” النقل لي بالمرصاد ..
لقد تذكرت الحكمة ” إذا لم تكن ذئباً أجرد أكلتك الذئاب ” .. وكان لي صديق عندما سمع مني مرة تلك الحكمة ، قال بل الحكمة تكون هكذا : ” إذا لم تكن ذئباً أجرد كثير الأذى ، بالت عليك الثعالبُ “
كنت أقول له : لماذا تدس نفسك في جحر الثعالب .. هناك وسائل أخرى لوضع حد لها ، وسائل تليق بك ، وتناسبهم .. ثمة شيء في غاية الأهمية ، لن ينتصر عليك أحد في عمل أنت تفهمه ..
وأنا لا أفهم التجارة . ولا أكشف سراً أن سبب تركي للتجارة نهائياً ، صديق ” هامور.. مليان فلوس ، ولكن بخيل جداً ! ” .
ذات مرة نسير على الأقدام على رصيف شارع وسط الرياض ، ومررنا ببناية بنك. فالتفت لي وقال : ” ياليت منه له ها البنك !!! “
التفت عليه وقلت : ” إذا انت تقول بذلك ، فماذا أقول أنا الفقير الى الله ..”
قال : ” أنت قلتها.. ادع الله أن يرزقك ..”
المهم .. وحتى لاأشط بعيداً .
لست نادماً على ما مضى ، ومتفائل بالقادم..
أنهي يومي بالرضا مع التحدي والثقة في النفس ؛ للوصول إلى ما أريد فيما هو من اختصاصي ، وفي المساء اضع رأسي على المخدة لا أفكر في أي شيء ، ولا أضمر في نفسي لأحد أي شيء. و قبل الغفوة أبدأ بدعاء الله لي بخير وأطلب منه أن يسامح كل من أساء لي.. واستغفره ثلاثاًً وأنام .
أما وقتي المهم فهو بين العمل ، ومع عائلتي ، والمكتب لقراءة كتاب ، وإنهاء ماتبقى من عملي لأبدأ غداً بدون هم إضافي .
في مكتبتي الخاصة .. بمكتبي في المنزل ..
وصلت الى الصفحة 57 من كتاب ” مِنْ مُسَيَّر …إلى مُخَيَّر – كيف ننتصر في معركة الحياة ” .. مؤلفه عماد سامي سلمان .
وما إن وصلت إلى الصفحة وعنوان الموضوع فيها ” النرجسيَّة ” حتى تذكرت كلمات صديق صحفي بيروتي ، دائم يراسلني ويتصل بي .. لكنه بعد الموضوع – قبل الأخير – قال : انت ياصديقي نرجسي ، لديك تضخيم في الأنا .
واستدرك قائلاً : كلنا ياصديقي هكذا ..
يقصد الصحفيين .
قلت : أدرك ذلك .. وأدرك أن كل إنسان هكذا .. ألم تقرأ عن اكتشاف فرويد ؟!
وأدرك أنني بدأت موضوعي هذا بفاصل من النرجسية !
لابأس أن أزيدكم بفاصل آخر عجيب ، كلما أتذكره أندهش منه ، وابتسم ..
كنت في عمل سابق أقيس النجاح من وجوه الحسّاد .. وعندما أتأكد من إبداعي أقدم الشكر لنفسي ، على مسمع من زملاء حولي .. فأرى ابتسامة الرضاء والقبول بما أفعل ؛ على محياهم .
وزملائي أولئك لديهم فكرة عن السبب.. فقد سألوني قبل ذلك ، وقلت لهم : لايوجد من يشكرني على ابداعي ، فلابد أن أرضي ذاتي بشكر نفسي !!
لابد وأن الحكاية ستثير الابتسامة على محياكم .. وياليتني بجانب كل منكم لأطبع له قبلة الارتياح لردة الفعل التلقائية اللطيفة !
من الأفضل أن أبقي على مساحة مناسبة لمقال اليوم لملخص ما قرأته ليلة أمس وسجلته في اللحظة نفسها ، لأدفعه إليكم اليوم ..فكما هي العادة أكتب موضوعاتي في المساء في المنزل ، إلا إذا استجد ت فكرة من خلال خبر أو تعليق في صحيفة ..
والآن أستعجل الطرح محاولاً الاختصار – وهو مالا يطيقه قلمي أو إصبعي ، وحتى لا يؤنبني صديق من الرياض بقوله إنني أسهب وأطنب في الكلام ، مع أن فكرتي واضحة ،
وجميل جداً أن أسمع النقد من قلوب صافية وعقول واعية ، فهي تنزل على قلبي أحلى من العسل المصفى ، والماء المثلج في عز الصيف ..
أقول :
” النرجسية “ : هي أحد أهم اكتشافات فرويد في علم النفس ، وطورها إيريك فروم ..
فالنرجسية الأولية تظهر عند الجنين والرضيع ، بحيث لاتكون له علاقة مع المحيط الخارجي . فهو لايميز بين ذاته وغير ذاته . فالحقيقة الموجودة عنده هي جسده ، وأحاسيسه ، وحاجاته الفطرية ..
وتابع فرويد : هكذا يمكن تحديد النرجسية المطلقة ،على أنها انتقال من حالة النرجسية المطلقة ، إلى القدرة على التفكيرموضوعياً والشعور بحب كامل نحو الأشياء المحسوسة ، وهي قدرة لاتتعدى أبداً حدوداً معينة .
والنرجسية الفردية تعني حب الذات أو الأنا ، وهي موجودة في كل شخص منا ، لكن على مستويات متفاوتة.
إن شخصاً يمكن وصفه بأنه ( ناضج) أو ( طبيعي) هو ذلك الذي انحصرت نرجسيته ضمن نسب مقبولة اجتماعياً ، من دون أن تختفي تماماً .
والنرجسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأنا ، فكلما زادت النرجسية ، كبرت الأنا والعكس صحيح .
وهناك مواصفات متفاوته للنرجسي منها تلك المواصفات .. ” عندما تكون النرجسية عالية “ :
- لايتقبل النقد ، ولا يهتم بآراء الغير .
- يعتبر أن حقيقة الوجود تنتهي عند حدود منطق عقله فقط .
- هو الذي يمتلك الحقيقة والرأي الصواب .
- يظن أن غيره جاهل ، ولا يفهم .
- عندما يوجه إليه انتقاد ما ، يفعل واحد من شيئين : إما أن يتجاهل الإنتقاد وإفراغه من قيمته . أو يتحول إلى ذئب كاسر في ردة فعله .
- في حال فشله يضع اللوم على الآخرين ، وعند النجاح يجيّر هذا الانتصار له وحده .
- إنه إنسان معجب بنفسه لدرجة الجنون .
عندما يتحدث النرجسي ، يستفيض بسرد أخباره الخاصة التي لاتهم أحداً غيره .
- النرجسي لايقدر أي شيء خارجاً عنه ، ويبالغ إلى حد كبير في كل شيء يعتبره جزءاً منه .
ذلك ملخص ما هو تحت عنوان النرجسية من الكتاب ..فهذا ليس كلامي .. نعم هو اختياري ، جاء في سياق قراءاتي اليومية، ولأن للموضوع مناسبة . ومناسبته ملاحظة صديقي اللبناني .
والآن هل أنت نرجسي ؟!
أكيد لابد وأن تكون.. ففي كل إنسان نرجسية ، لكنها تتفاوت بين أن يكون صاحبها ولياً صالحاً ، أو مجنوناً !
فإما أن تكون ولياً صالحاً أو أن تكون مجنوناً .. أو بينهما !
ومابعد موضوع النرجسية ؛ تتابع موضوعات الكتاب متناغمة ..
فالمؤلف دخل في موضوع العدوانية تجاه الذات ، ويمكن تلخيص الفكرة في قوله : “ مافي الداخل يساوي ما في الخارج ، وما في الخارج يساوي مافي الداخل ” .. فلايمكن لأي إنسان أن يكون مسالماً مع الغير ، من غير أن يكون السلام قد أزهر بداخله “.
وموضوع آخركتبه المؤلف .. ” التَعَلَق “ ووصفه بالمبالغة في رفض فكرة الانفصال عن شيء أو شخص ما .
هذا التعلق وصفه ميخائيل ميلر في كتابه تغيير المستقبل بـ ” الإنسان يُقيد نفسه بنفسه ” .
أما أنا أحب أن أقيد نفسي بالصديق الصدوق ، حتى لو بدر منه للحظات أو أيام ما يسيء لهذا القيد ، فعندما أحب لا أكره ، وعندما لاأحب لا أكره ، بل أتألم من القيد .. وأتأمل زوال الألم في كل لحظة !
من المهم إدراك أبعاد التعلق .. وجاء ذلك تحت عنوان ” التعلق والإسقاطات السلبية والإيجابية ..
الإيجابية هي تضخيم مواصفات الأشخاص أو الوقائع التي تعجبنا والمبالغة في تقديرها ، الى حد يجعلنا غير قادرين على رؤية هذه الأشخاص أو الوقائع بشكل صحيح وواقعي . إن الإفراط في رؤية الحسنات في الأشياء ، يعمينا عن رؤية السلبيات الموجودة فيها .
والعكس صحيح .. الإسقاطات السلبية للتعلق : تضخم مواصفات الأشخاص أو الوقائع السيئة ، والتي لاتعجبنا والمبالغة في تضخيمها إلى حد لايمكن من رؤية الجوانب الجيدة .
- ما رأيكم ؟
- إذا سألتموني عن رأيي : أنا ( نرجسية أيضاً ، لايمكن أن ننفك منها ).. أقول أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا ، لا أكره أحداً ، ولكنني أحب جداً أصدقائي ، وأبقى عليهم مهما حدث منهم ، لأنني لم أخترهم عبثاً ، ولا أقول رأيي فيهم وأتغير ببساطة ..أحب أساتذتي ، وأصدقائي جداً ، وأبقى وفياً لهم .. لكن لا أخفي تألمي من التغير المؤقت عند بعضهم – أحياناً أشعر بذلك ، وأجد أنني المخطىء في تقديري بسبب تضخم محبتي لهم – ولايمكنني الانفلات من محبتهم . مهما كان ومهما صار. ولكن ” لست بالخب ولا الخب يخدعني ” .. وأحذر ممن ليس لديه قدره على تقييم الأشخاص ومعالجة الطواريء ، أن لا يستعجل في التعلق .
أما إن أحببتم أن أذكر اسم شخص غالي جداً عندي ، لم يتغير ولم يتبدل أبداً .. صديقي وقرة عيني .. هو شقيقي سلمان .
وآخرين أحبهم الى نهاية العمر .