لو قلبنا الصحف السعودية ، فسيظهر في كل خبر دليل واضح على تأخر الفكر الصحفي في التعاطي مع الحدث والقالب الصحفي. المضمون أو المحتوى هو نفسه في كل الصحف العربية .. لاهدف وبالتالي لا استراتيجية ، والقالب تقليدي ، والمعالجة سلبية . لنأخذ مثالاً .. خبر أبرز في إحدى الصحف .. خبر في الداخل ومقتطف منه في الصفحة الأخيرة .. عنوانه يقول : ” القنوات الفضائية والاستراحات أسهمت في ظاهرة السهر عند السعوديين ” أولاً العنوان : ركيك . ثانياً المحتوى : بليد. ثالثاً : المعالجة : مفرطة في السلبية . ما هو الهدف ؟ وإلى ماذا يريد ناشر الخبر ؟ أين الجاذبية في الخبر ، أو حتى الإثارة ؟ وماذا يعني ؟ الخبر واضح أمام القراء .. السعوديون يسهرون ، هذا طبيعي مثل غيرهم في أي بلد في العالم .. وليس بجديد أن يسهروا في الاستراحات ، والمقاهي ، وأمام الفضائيات . الموضوع أخذ – كالعادة – من شخص ، أو بحث ، واكتفى الصحفي بنقل المادة الخبرية ، ولم يتطرق إلى صلب المادة ” البحثية ” .. للخروج بـ ” تشخيص الحالة وعلاجها ، أو وضع الحلول “. هكذا صحافتنا .. تنقل حدثاً من الشارع إلى الشارع ، بدون أي اضافات ” بحث وتحرٍّ ، ومراجع ، ودراسات ، ورؤية متخصصة ” لا يوجد شيء من ذلك .. وهذا له معنى : إن صحفيينا غير متخصصين . والحس ضعيف . وتعبئة ورق . لذلك مستوى الصحف هزيل ، وبالتالي الانتشار والتوزيع ضعيف جداً . سبق أن قلت : إن أكبر صحيفة سعودية ، لايمكن أن يتجاوز عدد النسخ المطبوعة 200 ألف نسخة يومياً . وأؤكد على كلمة ” مطبوعة ” لم أقل الموزعة في السوق أو الإشتراكات ، أو الإهداءات ، ولم أحسب الرجيع .. وهو ما قد يتخطى 20% 200 ألف نسخة ، ولو افترضنا أن كل صحفنا تطبع الرقم نفسه ( 200) ألف نسخة فلن يتجاوز انتاج كل الصحف المليوني نسخة يومياً. وهذا الرقم افتراضي كبير ، بل الحقيقة ما يوزع في السوق لا يصل إلى مليون نسخة لجميع الصحف . فكيف يمكن للصحافة أن تؤثر في الرأي العام ؟! لايمكن مطلقاً .. ناهيك من المحتوى الهزيل والمكرر .. المنهج نفسه ، والأخبار نفسها ، والصياغة نفسها .. الهم الأول والأخير البحث عن الإثارة في عنوان ، للإثارة ، وليس للجاذبية . وكأن الإثارة في مصائب المجتمع .. هَمُّ الصحافة يتركز على نفايات المجتمع ، ونشرها ، بدون معالجة ..حتى أصاب الناس الهَمَّ والغَم .. تماماً كمن يدخل عيادة طبيب شعبي ، ويشرح جسده ويظهر فيه مصائب الدنيا ، ولا يطمئنه بعلاج .. ولن أتحدث عن التأخر في فن الإعداد للأخبار ، والإخراج الحديث ، والتناغم بين الأبواب . كنت سابقاً أسير على المنهج نفسه .. ولكن مع النشر المتخصص ، والدراسة والاحتكاك بفنون الإعلام والصحافة الحديثة ، والتطبيق ، تطورت لدي المفاهيم .. بل كل يوم أقترب من الإعلام المتخصص في العالم ، أجد معلومات جديدة ومتجددة . الإعلام العالمي ، وبخاصة الصحافة ، تتسارع فيه الأفكار والتطبيقات ، ونحن نلت ونعجن في نفس دائرة التنظير والطهبلة. وكثير من الزملاء يُبهر بالطهبلة الفارغة ، والتنظير البليد . نريد التطوير عملياً .. ولا يمكن أن يحدث إلا إذا حدث التغيير . قلت ولازلت أقول ، وأكرر الجملة التالية ” هناك قيادات صحفية مسيطرة .. وهناك قدرات معطلة ” .. ولأكون منصفاً يوجد قيادات متميزة ، لكنها تعتمد على أدمغة متخشبة . فمتى وكيف يتم إبراز القدرات المعطلة .. وإبعاد من توقف ..( بعض من وضع في الصف الثاني أو الثالث ، لا يمكن أن أقول إن دماغه توقف ، لعدم وجود دماغ صحفي في الأصل .. إنما لأنه خادم مطيع ! ) الحقيقة إنه مدمر للقدرات ، ومدمر لأهم الأسلحة في البلد .. الإعلام ، والكلمة .. والصحافة سلاح وطني مهم وخطير .. ولكن للأسف لم يستعمل كما ينبغي ، أو بما يتناسب مع قوة الوطن ومكانته . أي أن صحافتنا ليس لها تأثير يذكر .
ولأكون منصفاً يوجد قيادات متميزة ، لكنها تعتمد على أدمغة متخشبة . فمتى وكيف يتم إبراز القدرات المعطلة
كلام في الصميم
تحياتي وتقديري لك عزيزي الدكتور صالح
ثق عزيزي : لا يصح الا الصحيح ولو طال الزمن .
أدعو الله تعالى أن يكثر من أمثالك ويعلي ، ويعلن ، ويرفع شأنك كما أنت عالي بعلمك وأخلاقك .