حديث طويل جداً يتم بيني وبين المشرف على رسالتي الدكتور طارق فهمي ، وهو رجل متخصص في الإعلام والسياسة .. أستاذ في جامعة القاهرة .. انتقل للتدريس في أمريكا ، وهو سبب تأخر رسالتي .. فقد أخذني معه .
سته أشهر في العام من المناقشة والبحث عبر النت والتليفون . والمناقشة والمتابعة المباشرة عندما يأتي شهر أو شهرين في العام إلى القاهرة ، حول الرسالة : “المؤثرات الفكرية في تطوير الخطاب الإعلامي العربيى .. وأثر ذلك على الأمن اقومي العربي ” . وتعديلات مستمرة ، أتمنى أن أنجزها قريباً .
أعرف أن الموضوع متشعب ، ولكن محاولاتي إقتربت من النجاح في أن تكون الرسالة مركزة ومفيدة .
دائماً يقول لي : أنت لست بحاجة لشهادة ما جستير أودكتوراه .. وأسعد بهذا الإطراء المنعش ، لأنه من رجل فاهم وخبير وعالم .. ولأن طبيعة البشر تحب الإطراء وتنتعش به .
وصحيح أن الرسالة لن تقدم أو تؤخر بالنسبة لي ..إنما دائماً كلمة الدكتور سليمان العقيل عميد كلية الآداب السابق بجامعة الملك سعود.. لاتزال ترن في رأسي ، عندما اطلع على كتابي قبل خمس سنوات : ” العرب والإعلام الغربي “..
وهو كتاب طرحته بصياغة صحفية وفق منهج اكاديمي .. فقال آنذاك لي : ” انك لاتحتاج إلا ورقة مختوم عليها دكتوراه ” .. ورحب بي في الجامعة لإكمال ما ينقص من أوراق روتينية ، وساعات تفرغ تام إلى النهاية للحصول عليها .. فحال بيني وبينه التفرغ .. وتمنيت لو أن جامعة الملك سعود تمنح تفرغاً محدوداً .. أو عبر التواصل غير المباشر .. ولكن يبدو أن اللوائح القديمة والتقنية آنذات لم توضع في الخدمة .
المهم .. أخذت مني الرسالة وقتاً طويلاً .. لم أبالي ، كنت أحرص أن أتستفيد من هذا الرجل العظيم ، ومن تبحره وخبراته في علوم السياسة والإعلام .
الرجل ليس كبيراً في السن ، ولكنه يمتلك عقلية متفتقة . وقليل من الأكاديميين الضليعين مروا عليّ بهذا المستوى .
يتميز بحس سياسي وإعلامي متطور .
تجرأت وسألته يوم أمس.. قلت له : هل في مصر عقليات بحثية تفكر بهكذا طريقة .. أي عقليات تفكر خارج المربع ؟
أجاب : نعم ، فيه ؟
قلت : إذاً ، لماذا مصر متأخرة .. لماذا هي ليست في مكانها ومكانتها الساسية والإعلامية المعتبرة ؟
الرجل : أجابني .. ولكن لحساسية منصبه ، فهو عضو في لجنة السياسات بالحزب الوطني ، ولأنه يثق في ، لاأريد أن أقول حرفياً ماكنا نتحدث فيه .. وهذا من حقي ، ومن حقه علي .
ولكن أعتقد أن الكثير يفهم ما يدور على الساحة . وربما بشئ من الإشارات تتضح للمهتمين الرؤية .. وأجابني باستفاضة ووضوح ، لأنه –كما قلت – يثق فيّ ،وفي طريقة تحليلي للإجابات ، ورجل وطني .. مصري – عربي ، حتى النخاع .
أما المتابع يكفيه أن يقرأ في الإعلام العربي وسيعرف مايدور ، وماهو مستقبل الأمة .
سألته عن السياسة في المنطقة ، وكيف تُرسم ، وماهي معاييروحدود رسم السياسة في المنطقة ؟
سألته عن الدور الأمريكي في المنطقة ، واستراتيجيات أمريكا ؟
سألته عن الإستراتيجيات عند إسرائيل ، وعند العرب من ناحية أخرى ؟
سألته عن مستوى العلاقة بين الدول العربية .. والمستقبل ؟
سألته بالطبع عن مستقبل الإعلام العربي ، وتأثيرات الإعلام .. وعلاقة الإعلام باستراتيجيات ومكانة الدول ؟
كل هذه الأسئلة .. وأسأله كثيرة متفرعة مني له ومنه لي .. ومناقشات منه .. دارت ..
وتدور أسئلة وإجابات كبيرة وكثيرة ، كلما التقي بالدكتور طارق . واللقاء به من المحطات المهمة في حياتي عندم أزور القاهرة ، والتي أحرص عليها ويحرص عليها .. وما بيني والدكتور طارق ، م ن علاقة تطورت من مشرف على رسالتي ، إلى صداقة عميقة ..
نبحر.. يشدني ليه ، ويستمع إلى بانصات العالم المتواضع .. نغوص سوياً في أعماق المحيط العربي والعالمي .. نحدد ونشرح ونشاهد ونقرأ ونحلل ، ونرسم ..
أبحرنا يوم أمس وغصت معه .. فسألته بعد أن عدنا إلى الشاطئ : من ينفذ تلك الآراء والدراسات الرائعة والواقعية ؟
أجاب بالصمت ..
فهمت .. وشرح صمته ببضع كلمات .
ما يزيدني حباً في الرجل ، أنه مغرم في مصر ، عاشق للعروبة .. محباً للسعودية .
أكيد يهمكم خلاصة مادار .. الخلاصة طويلة ومفيدة ..
ولكن المستقبل يبشر بخير ..
صحيح هناك أعداء لايريدون للأمة العربية الخير ..
ولكن من المهم أن نعرف أي أمة هي التي ترسم استراتيجياتها بنفسها.. وتحدد علاقاتها .. والأمة العربية لم تعد تلك الأمة المتخاذلة البعيدة عن الحضارة والفكر ..خصوصاً في عالم اليوم المترابط المصالح .
صحيح أن العرب ليسوا كأمريكا التي تعيد صياغة استراتيجياتها الآن وفق مصالحها الخاصة .
الفكر والمفكرون العرب ليسوا كالأمريكان في هذا الزمان ، وهم يعدون لإطلاق لوبي قوي يواجه الإيباك .. لوبي ( جي ستريت) قوامة علماء وباحثين وسياسيين وكبار شخصيات نافذة من الأمريكان والأوربيين ، والهدف مصلحة أمريكا أولاً ..وكلهم مؤمنون بأن اسرائيل عبء عليهم ..
صحيح أن العرب لايفكرون كما اسرائيل التي ترسم استراتيجيات بعيدة المدى .. أمامهم الآن استراتيجية إلى العام 2075م ، وأخرى إلى العام 2095م ( لاحظوا التاريخ ، والتحليل متروك لكم .. فسأحتاج كثير من الوقت لذكره ).
ومصر تخطط لوضع استراتيجية إلى العام 2035 ..
وسألته : يعني سيناريوهات الأعوام القادمة بدءاً من انتخابات 2012 وما بعدها معروفة ؟
طبعاً لست بحاجة إلى إجابة الدكتور .. وكذلك المتابع منكم ليس بحاجة ليعرف المعنى من رسم الإستراتيجيات ، خاصة التي تتعلق بمستقبل الدول .. وهذا لايحدث في مصر وحدها .. وكل الدول في هذا العصر ، لاتمشي بالبركة كما كان في العصور الغابرة .
ما يميز استراتيجيات الدول الكبرى ، أنها تفكر بطريقة تختلف عن دول العالم النامي ..
المهم استتباب الأمن من أجل تحقيق المصالح الأكبر .
تعبنا من التفكير في السلام مع اسرائيل .. وهم لايفكرون كما نفكر !
تعبنا من لتفكير في المؤامرة ، حتى سقطت أسناننا من تكرار ( نظرية ) .. في سفسطة بليدة .. وهم تخطوا هذه الفكرة .. تركونا نلوكها.. وهم يرسمون استراتيجيات أخرى .
- في كتابي ” العرب والإعلام الغربي ” .. قلت فيما معناه : العدو يخطط ، وينفذ بدقة .. ويعلم أن ردة فعل العرب متخبطة ، ثم ينفذون الخطة الثانية والعرب لازالوا يعيشون ردة فعل الصدمة الأولى ..
تماماً .. لازال العربي نصف المثقف والجاهل ( أكثر من 80% من بني يعرب متخلفون ) .. يتحدث عن المؤامرة بطرازها القديم .. ومع الصدمات المتتابعة تتوالى الأدمغة في الدوران حول الذات ..
- عرب متخلفون .. شيعة جهلة متخلفين ، يجلدهم الفارسي بسياطة على الظهور والرؤوس في عاشوراء وتاسوعاء .. وسني يقتل جماعته بحجة الكفر وعصيان الرب .. ومثقف لازال مصراً على أن القوة في ترديد : ” بالروح بالدم نفديك يازعيم ” !
- أرجوكم فكروا خارج المربع .